سيد محمد طنطاوي
263
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم بين - سبحانه - صفات المتقين الذين يصلحون في الأرض ولا يفسدون ، والذين أعد لهم - سبحانه - جنته فقال - تعالى - * ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ ) * أي الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة اللَّه في جميع أحوالهم ، فهم يبذلونها ابتغاء وجه ربهم في حال يسرهم وفي حال عسرهم ، وفي حال سرورهم وفي حال حزنهم ، وفي حال صحتهم وفي حال مرضهم ، لا يصرفهم صارف عن إنفاق أموالهم في وجوه الخير ما داموا قادرين على ذلك . وقوله * ( الَّذِينَ يُنْفِقُونَ ) * في محل جر صفة للمتقين . ويجوز أن يكون في محل نصب أو رفع على القطع المشعر بالمدح . وقال * ( يُنْفِقُونَ ) * بالفعل المضارع ، للإشارة بأنهم يتجدد إنفاقهم في سبيل اللَّه آنا بعد آن بدون انقطاع . وقدم الإنفاق على غيره من صفاتهم لأنه وصف إيجابي يدل على صفاء نفوسهم ، وقوة إخلاصهم ، فإن المال شقيق الروح ، فإذا أنفقوه في حالتي السراء والضراء كان ذلك دليلا على التزامهم العميق لتعاليم دينهم وطاعة ربهم . وقد مدح اللَّه - تعالى - الذين ينفقون أموالهم في سبيله في عشرات الآيات من كتابه ، ومن ذلك قوله - تعالى - : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّه كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ ، واللَّه يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ واللَّه واسِعٌ عَلِيمٌ « 1 » أما الصفتان الثانية والثالثة من صفات هؤلاء المتقين فهما قوله تعالى : * ( والْكاظِمِينَ الْغَيْظَ والْعافِينَ عَنِ النَّاسِ ) * . أي سارعوا أيها المؤمنون إلى العمل الصالح الذي يوصلكم إلى جنة عظيمة أعدها اللَّه - تعالى - لمن يبذلون أموالهم في السراء والضراء ، ولمن يمسكون غيظهم ، ويمتنعون عن إمضائه مع القدرة عليه ، ولمن يغضون عمن أساء إليهم ، فالمراد بكظم الغيظ حبسه وإمساكه . يقال : كظم فلان غيظه إذا حبسه ولم يظهره مع قدرته على إيقاعه بمن أغضبه . ويقال : كظم البعير جرته ، إذا ردها وكف عن الاجترار . وكظم القربة : إذا ملأها وشد على فمها ما يمنع من خروج ما فيها . وقد ساق ابن كثير جملة من الأحاديث التي وردت في فضل كظم الغيظ والعفو عن الناس ومن ذلك ما رواه الشيخان عن أبي هريرة عن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أنه قال : « ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب » . وروى الإمام أحمد - بسنده - عن حارثة بن قدامة السعدي أنه سأل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال :
--> ( 1 ) سورة البقرة الآية 261 .